صالح حميد / عبد الرحمن ملوح
130
موسوعة النضرة النعيم في مكارم أخلاق الرسول الكريم ( ص )
دينية ، تسوده مكارم الأخلاق . وكان ذلك منطلقا لتصحيح كافة العلاقات الأخرى بما حول الإنسان ومن حوله ، وما دام الإنسان قد آمن موحدا وتولدت في نفسه حالة العبودية الكاملة للّه وحده ، فإن ذلك ينعكس على علاقاته بالأشياء حوله ، وعلى كافة مكونات حياته ؛ ذلك أن الإيمان الصحيح هو أكبر القيم الخلقية الدافعة للإنسان في مجرى الحياة الصحيح الموصل للسعادة . ومن هنا تنبع مجموعة من القيم الخلقية الفذة النابعة من توجيه التوحيد ، كحالة نفسية ، وضرورية للتعايش مع الكون والعالم ومصادقة قوى الطبيعة ، ودراستها وفهمها ، واكتشاف أسرارها لتضفي قيمة عليا على العلم والبحث العلمي بالمعنى الواسع للكلمة . ثم هو لا يذوب في الطبيعة المادية ولا يعاديها ، لكنه لا بد أن ينفصل عنها إلى عالم التوحيد المطلق والمجرد ، فالطبيعة ليست مقصودة لذاتها ، وهي ليست ثابتة ، بل هي متغيرة ومتقلبة ، ومن حق المسلم أن يتجاوزها بعد أن يكتشف فيها لغة التسبيح للّه . وفي هذا الذي أقره الإسلام ووجه إليه تحقيق سام لإنسانية الإنسان ، لأن الإنسان بهذا يتحرر من عبودية أي شيء سوى اللّه تعالى ، ويتخلص من قلقه المرضي ؛ لأن المنهج الإسلامي يضع الإنسان حيث يجب أن يوضع ، مخلوقا ذا رسالة سامية في هذه الحياة « 1 » . 3 - وصحح القرآن علاقة الإنسان مع نفسه ثم مع من حوله من الناس ، وذلك بعد أن ضبط حركته بقيم خلفية معينة تجاه الخالق والأشياء ، والآيات المدنية تأتي لبناء الإرادة الإنسانية وتكوين القيم السليمة لعلاقات الإنسان بنفسه ، وبالإنسان في مجتمعه ، وللجماعة كلها بعد أن قام البناء الإيماني في نفس المسلم . وكثيرة هي تلك القيم الفاسدة التي كانت موجودة عند العرب وفي العالم ، واستطاع الإسلام بتوجيهاته أن يقضي عليها ، ويحولها إلى قيم إيجابية صحيحة على أساس من الإيمان الصحيح الخالي من الشوائب . وقد اهتم القرآن كثيرا بتوضيح الانحرافات الخلقية التي يمكن أن توجد في المجتمع المسلم ، فاهتم بإيضاح حقيقة النفاق وعدّها انحرافا نفسيا يسهل الوقوع فيه ؛ لأن الإنسان المسلم - تحت الظروف المستبدة - قد يعيش حالة مزيفة ، إنه يصبح ضد نفسه أحيانا ، ويحبس حركتها الحرة في التنقل من حالة إلى حالة ، ويوقف تيارها الداخلي وهذا مرض نفسي ، يجمد حركة الإنسان ، ويحرمه من الحركة الحية ، ويصيبه بالخواء والزيف والخداع ، وقد صور القرآن حالة المنافقين في آيات كثيرة منها :
--> ( 1 ) عبد الغني عبود : العقيدة الإسلامية والأيدولوجيات المعاصرة - الطبعة الأولى - القاهرة - دار الفكر العربي ، 1976 م ص 143 .